فلاي دبي FZ1073: مساعد الطيار وفأس قمرة القيادة وسقوط ١٦ ألف قدم… كيف نجا الجميع؟
مساعد الطيار حمّام الحمّامي متهم بمهاجمة القبطان بفأس قمرة القيادة ومحاولة السيطرة على الطائرة… وتحقيقات تكشف علامات أمنية سابقة
٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ / دبي – تل أبيب – تبوك
كان يفترض أن تكون رحلة عادية من دبي إلى إسرائيل.
لكن خلال دقائق، تحولت رحلة فلاي دبي FZ1073 إلى معركة على ارتفاع آلاف الأقدام، بعدما اتُهم مساعد الطيار بمهاجمة قائد الطائرة، والاستيلاء على فأس الطوارئ داخل قمرة القيادة، ومحاولة انتزاع السيطرة على طائرة بوينغ 737 MAX 8.
ثم بدأت الطائرة بالهبوط.
وسريعاً.
أكثر من ١٦ ألف قدم خلال ثوانٍ، وفق بيانات تتبع الرحلة.
وفي قمرة القيادة، كان القبطان المصاب يحاول البقاء على قيد الحياة.
وفي المقصورة، كان الركاب على وشك أن يكتشفوا أن نجاتهم قد تعتمد عليهم هم أنفسهم.
الرحلة التي تحولت فجأة إلى سقوط
غادرت الرحلة FZ1073 مطار دبي الدولي في ٣٠ أيلول متجهة إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب.
صعدت طائرة بوينغ 737 MAX 8 بشكل طبيعي إلى مستوى التحليق.
ثم، بعد نحو ساعتين ونصف، تغير كل شيء.
بدأت الطائرة بهبوط عنيف، وأظهرت بيانات التتبع فقدانها أكثر من ١٦ ألف قدم خلال فترة قصيرة جداً، قبل أن تصعد مجدداً ثم تدخل في هبوط آخر.
في تلك اللحظات، كان التحقيق يشير إلى أن مساعد الطيار هاجم القبطان سميت ماتشّار.
لم تعد المسألة مطبات هوائية.
كانت معركة على السيطرة على الطائرة.
فأس داخل قمرة القيادة
قدّم المدعي العام الإماراتي حمد سيف الشامسي الرواية الرسمية الأكثر وضوحاً حتى الآن.
وبحسب التحقيقات، هاجم مساعد الطيار القبطان داخل قمرة القيادة مستخدماً فأس الطوارئ، ثم حاول السيطرة على أجهزة التحكم بالطائرة.
وتكشف هذه المعلومة أحد الألغاز الأولى في الحادث: من أين حصل المهاجم على السلاح؟
الإجابة: لم يكن قد أدخله خلسة عبر أمن المطار.
كان الفأس معدات طوارئ موجودة أصلاً داخل قمرة القيادة.
وهنا تبرز واحدة من أصعب الأسئلة التي سيواجهها محققو سلامة الطيران: كيف يمكن حماية قمرة القيادة عندما يأتي الخطر من شخص مخوّل أصلاً بأن يكون داخلها؟
القبطان المصاب يفتح الباب
أصيب القبطان ماتشّار بجروح خطيرة.
لكنه لم يستسلم.
رغم إصاباته، تمكن من فتح باب قمرة القيادة.
كانت تلك اللحظة حاسمة.
اندفع ركاب وأفراد من الطاقم نحو المقدمة، وتمكنوا من التغلب على المهاجم وتقييده.
ومن بين الذين تدخلوا الراكب الإسرائيلي يانيف حايون، الذي قال لاحقاً إنه أمسك بأجهزة التحكم بالطائرة بينما كانت تهبط.
كما شارك طبيب الأسنان شوتا موساييف في مساعدة القبطان المصاب والتعامل مع المهاجم.
وكان بين الركاب أيضاً طيارون من فلاي دبي، ساهموا في استعادة السيطرة على الطائرة.
تتابعت الثواني الحاسمة:
قبطان مصاب يفتح باب قمرة القيادة.
ركاب يندفعون إلى الداخل.
المهاجم يُطرح أرضاً ويُقيّد.
راكب يساعد في تثبيت الطائرة.
طيارون آخرون يتولون القيادة.
ثم بدأت الطائرة طريقها نحو النجاة.
١٨٢ شخصاً على متن الطائرة… والجميع نجا
تباينت الأرقام الأولية بشأن عدد الموجودين على متن الرحلة.
لكن السلطات السعودية قدمت لاحقاً الرقم الأكثر وضوحاً:
١٧٤ راكباً و٨ أفراد من الطاقم — ١٨٢ شخصاً في المجموع.
الجميع نجا.
اضطرت الطائرة إلى تحويل مسارها والهبوط في تبوك، شمال غرب السعودية.
وبعد الهبوط، نُقل الركاب على متن طائرة أخرى لمواصلة رحلتهم إلى إسرائيل.
أما الطياران، فنُقلا إلى الإمارات برفقة فريق أمني إماراتي.
من هو حمّام الحمّامي؟
برز اسم المشتبه به تدريجياً مع اتساع التحقيق.
وتعرّفه وسائل إعلام متعددة على أنه حمّام الحمّامي، عماني الجنسية، يبلغ ٢٩ عاماً.
لكن الجانب الأكثر إثارة للقلق ليس هويته وحدها، بل ما يقال عن تاريخه المهني.
بحسب التقارير الأمريكية والدولية الواردة في المادة، عمل الحمّامي سابقاً لدى عُمان للطيران، قبل منعه من الطيران إثر مخاوف مرتبطة بمواد أو آراء متطرفة.
وقالت مصادر نقلت عنها ABC News إنه، أثناء عمله متدرباً كمساعد طيار لدى عُمان للطيران عام ٢٠٢٤، عُثر بحوزته على مواد متطرفة.
وبحسب تلك التقارير، سُمح له لاحقاً بمواصلة العمل لدى الشركة في وظيفة إدارية.
كما أشارت تقارير إلى دراسة الحمّامي إدارة الطيران في جامعة باكينغهامشير الجديدة في بريطانيا، التي أكدت أن شخصاً مطابقاً لهويته أنهى برنامجاً جامعياً عن بُعد في إدارة الطيران عام ٢٠٢٣، مع التشديد على أنه لم يتلقَّ تدريباً على قيادة الطائرات في الجامعة.
لكن السؤال الأهم ليس أين درس.
السؤال هو: ماذا حدث لكل إشارات التحذير التي ظهرت في مسيرته المهنية؟
كيف وصل إلى قمرة قيادة فلاي دبي؟
هنا يدخل التحقيق إلى أخطر مراحله.
إذا كانت السلطات العُمانية قد خلصت سابقاً إلى أن الحمّامي لا ينبغي أن يواصل الطيران بسبب مخاوف أمنية، فكيف أصبح لاحقاً مساعد طيار على متن طائرة تجارية؟
سيحتاج المحققون إلى معرفة:
- ما المعلومات التي كانت لدى السلطات العُمانية؟
- هل أُبلغت بها سلطات الطيران الأخرى؟
- ماذا اكتشفت فلاي دبي خلال إجراءات التوظيف والتدقيق الأمني؟
- هل ظهرت إشارات مقلقة في الفحوص الطبية أو التقييمات المطلوبة؟
- هل جرى التدقيق الكامل في سجله المهني السابق؟
- كيف حصل على الموافقة للعمل على رحلة متجهة إلى إسرائيل؟
- وهل فُقدت معلومات مهمة بين جهة وأخرى؟
هذه الأسئلة قد تجعل قضية FZ1073 تتجاوز حدود حادثة طيران واحدة.
التطرف… لكن الأسئلة لا تزال مفتوحة
قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن المشتبه به خضع لعملية تطرف إسلامي، وإنه بدا مصمماً على إسقاط الطائرة.
كما يبحث مسؤولون إسرائيليون في احتمال أن يكون شخص أو جهة أخرى قد وجّهته أو ساعدته.
لكن التحقيق، وفق المادة المتاحة، لم يثبت علناً وجود شبكة إرهابية أوسع.
ولا توجد حتى الآن أدلة علنية تثبت وجود صلة إيرانية.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد حذر من أن إيران ستواجه رداً شديداً إذا أثبت المحققون تورط طهران، لكن هذا يبقى موقفاً مشروطاً، وليس دليلاً على أن إيران أمرت بالهجوم.
والفارق بين الأمرين جوهري.
فالتحقيق الإماراتي لا يزال يبحث في الدافع، والتخطيط، والروابط، والأدلة الرقمية.
ماذا حدث داخل قمرة القيادة؟
بات معروفاً أن فأس الطوارئ استُخدم في الاعتداء.
وباتت هوية المشتبه به معروفة في تقارير متعددة.
كما أمكن إعادة بناء جزء من الهبوط العنيف للطائرة من بيانات الرحلة.
لكن السؤال الأكبر لا يزال قائماً:
لماذا؟
على المحققين تحديد ما إذا كان الهجوم:
- مخططاً له مسبقاً.
- عملاً فردياً.
- يستهدف تحديداً إسقاط الطائرة في إسرائيل.
- مرتبطاً بجماعة متطرفة.
- مدعوماً أو موجهاً من أشخاص آخرين.
- وما الذي حدث بالضبط داخل قمرة القيادة قبل بدء الهبوط.
كما يتعين تحديد من كان يسيطر على الطائرة خلال كل مرحلة من مراحل السقوط، ولماذا أرسلت الطائرة إشارات الطوارئ والتدخل غير المشروع، وما إذا كانت إجراءات فحص الطواقم الأمنية قد أخفقت.
بيانات الرحلة تستطيع أن تخبر المحققين ماذا فعلت الطائرة.
أما مسجل صوت قمرة القيادة، والأدلة المادية والرقمية، والاتصالات وشهادات الشهود، فقد تكشف لماذا حدث ذلك.
معضلة أمنية جديدة: ماذا لو جاء الخطر من داخل القمرة؟
تكشف حادثة FZ1073 عن مفارقة صعبة في أمن الطيران الحديث.
بعد هجمات ١١ أيلول، جرى تعزيز أبواب قمرة القيادة لمنع المهاجمين من اقتحامها.
لكن هذه المرة كان الخطر من الاتجاه المعاكس.
المهاجم المزعوم كان داخل قمرة القيادة أصلاً.
الباب المدرّع يحمي الطيارين من الركاب.
لكن عندما يصبح أحد الأشخاص المخولين بالوجود خلف الباب هو مصدر الخطر، فإن المعادلة الأمنية تتغير بالكامل.
ومن المتوقع أن تعيد القضية فتح النقاش حول تدقيق الطيارين، والمراقبة الأمنية المستمرة، والتقييمات اللازمة، وإجراءات قمرة القيادة، وآليات التدخل في حالات الطوارئ.
لم يعد السؤال فقط:
كيف نمنع شخصاً غير مخول من دخول قمرة القيادة؟
بل أصبح أيضاً:
ماذا نفعل عندما يتحول الشخص المخول بالوجود فيها إلى مصدر التهديد؟
فلاي دبي توقف رحلات إسرائيل
كانت التداعيات التشغيلية سريعة.
أوقفت فلاي دبي رحلاتها من وإلى إسرائيل في انتظار استمرار التحقيق.
كما علّقت طيران الإمارات رحلات المشاركة بالرمز مع فلاي دبي من وإلى تل أبيب.
ويبرز ذلك حساسية خط دبي–إسرائيل، الذي أصبح أحد خطوط الطيران المهمة في المنطقة منذ اتفاقات أبراهام.
القبطان الذي عاد إلى المواجهة
في أبوظبي، يتعافى القبطان سميت ماتشّار من إصاباته.
وبينما كانت الطائرة تهوي، كانت حياة مئات الأشخاص معلقة بثوانٍ قليلة.
وقد حظي ماتشّار بإشادات من مسؤولين هنود وإسرائيليين وإماراتيين.
لكن قصة النجاة لا تتوقف عنده.
هناك أيضاً يانيف حايون، وشوتا موساييف، والركاب والطيارون الذين اندفعوا نحو قمرة القيادة في اللحظة التي كان فيها الجميع يحاول الابتعاد عن الخطر.
لم يكونوا يعرفون في البداية كل ما كان يحدث.
لكنهم تحركوا.
١٨٢ شخصاً بين الحياة والكارثة
لم تصل FZ1073 إلى تل أبيب.
وصلت إلى تبوك.
لكنها هبطت بسلام.
ونجا جميع الأشخاص الـ١٨٢ الذين كانوا على متنها.
والآن، بعد الهبوط، ظهرت أخطر حقيقة في القضية:
المتهم لم يكن شخصاً اقتحم أمن المطار ووصل إلى قمرة القيادة.
بل كان، وفق التقارير، شخصاً يعمل في مجال الطيران وموجوداً أصلاً داخلها.
وهذا يجعل قضية FZ1073 أكبر من رحلة، وأكبر من شركة طيران، وأكبر من مشتبه به واحد.
إنها تضع نظام أمن الطيران أمام سؤال بالغ الصعوبة:
هل يستطيع القطاع اكتشاف التهديد قبل أن يجلس التهديد في مقعد القبطان؟
الطائرة نجت.
القبطان نجا.
الركاب نجوا.
أما التحقيق، فما زال أمامه الجزء الأصعب:









