المبعوث الأميركي ميشال عيسى يدفع باتجاه استعادة السيادة، فيما يتعمّق الجمود بين إسرائيل وحزب الله
لحظة لبنان حانت… لكن الاختبار الأصعب في الجنوب: السيادة بين سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي ونهاية اليونيفيل
٢٦ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٦ / بيروت – واشنطن
لبنان أمام نافذة نادرة لإعادة تثبيت سلطة الدولة. لكن السؤال الحاسم لم يعد ما إذا كانت الفرصة موجودة، بل ما إذا كان لبنان قادراً على تحويل الزخم الدبلوماسي إلى واقع أمني وسياسي على الأرض.
خرجت من واشنطن هذا الأسبوع رسالة واضحة: ثمة فرصة أمام لبنان لاستعادة قراره السيادي، لكن هذه الفرصة ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية.
وخلال العشاء السنوي لـAmerican Task Force for Lebanon في واشنطن، برزت السيادة وسلطة الدولة ومستقبل البنية الأمنية للبنان في صلب النقاشات، مع رسائل متوازية من السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى والسفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمده معوض.
عيسى ذهب مباشرة إلى جوهر الأزمة: لا يمكن أن تكون السيادة كاملة على الورق فيما تبقى قرارات الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة.
وبحسب مواقفه الأخيرة، فإن أي قرار بالحرب أو السلام يجب أن يعود إلى الدولة اللبنانية، فيما يفترض أن تتولى القوات المسلحة اللبنانية والمؤسسات الشرعية مسؤولية الأمن على كامل الأراضي اللبنانية. كما قال إن تسليم حزب الله سلاحه يمكن أن يفتح الطريق أمام انسحاب إسرائيلي وتسوية أمنية أوسع.
هنا تحديداً تتقاطع العقدة اللبنانية مع المفاوضات غير المباشرة بين بيروت وإسرائيل: من يسلّم أولاً؟ ومن ينسحب أولاً؟ ومن يضمن أن الخطوة التالية ستأتي فعلاً؟
نافذة دبلوماسية… والساعة تتحرك
منذ أشهر، تحاول الولايات المتحدة دفع لبنان وإسرائيل من منطق المواجهة العسكرية إلى مسار تفاوضي يربط بين انسحاب القوات الإسرائيلية، تعزيز انتشار الجيش اللبناني، ومعالجة مسألة السلاح خارج سلطة الدولة.
وكانت جولات روما قد أرست إطاراً إجرائياً للمفاوضات، لكن الملفات الأساسية، وخصوصاً القضايا الحدودية والأمنية، بقيت من دون تسوية نهائية. وفي ۱٣ أيلول، أفادت رويترز بأن جولة جديدة كانت مقررة في روما خلال تشرين الأول لدفع الاتفاق الأميركي الوساطة قدماً.
لكن الموعد نفسه بدأ يتراجع.
وفي ٢٥ أيلول، قال عيسى إن محادثات روما التي كانت متوقعة في الأسبوع الأول من تشرين الأول تأجلت، من دون تحديد موعد جديد حتى الآن، مشيراً إلى أن ملف منطقة علي الطاهر شكّل إحدى العقد التي أخّرت التطورات في الجنوب.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر:
المسار الدبلوماسي يتحرك… لكن الوقائع الميدانية تتحرك أيضاً، وليس بالضرورة في الاتجاه نفسه.
علي الطاهر: الاختبار الذي كشف هشاشة التفاهم
تحولت منطقة علي الطاهر إلى اختبار عملي لقدرة الأطراف على ترجمة التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ.
فكرة تسليم مواقع محددة للجيش اللبناني اصطدمت برفض حزب الله، بينما واصلت إسرائيل تثبيت وجودها العسكري في مناطق جنوبية تعتبرها ضرورية لأمنها.
وهكذا أصبح الجنوب أمام معادلة شديدة الحساسية:
واشنطن تريد تقدماً دبلوماسياً، بيروت تريد استعادة سلطة الدولة، إسرائيل تريد ضمانات أمنية، وحزب الله لم يوافق على تسليم سلاحه.
وكلما طال هذا التعارض، أصبحت مهمة بناء مرحلة انتقالية مستقرة أكثر تعقيداً.
روما تأجلت… لكن الجنوب لم ينتظر
كان يفترض أن تكون الجولة المقبلة في روما محطة جديدة في المسار الأميركي، لكن التأجيل أعاد إلى الواجهة سؤالاً أكثر إلحاحاً:
هل تستطيع الدبلوماسية أن تسبق التطورات العسكرية؟
حتى الآن، لا توجد إجابة حاسمة.
فالقوات الإسرائيلية لا تزال موجودة في أجزاء من الجنوب، فيما يواصل الجيش اللبناني تعزيز انتشاره، ويبقى ملف سلاح حزب الله عالقاً في قلب المعادلة، بينما ينتظر سكان المناطق الحدودية عودة أكثر استقراراً إلى قراهم.
وفي هذا السياق، قال عيسى إن التطورات على الأرض قد تكون أكثر أهمية من الجدول الزمني للاجتماعات الدبلوماسية.
أي أن تأجيل الاجتماع لا يعني تأجيل الأزمة.
بيروت ترفع عنواناً واحداً: السيادة
في المقابل، تؤكد بيروت أن أي ترتيبات جديدة يجب أن تنتهي إلى استعادة الدولة سلطتها على كامل أراضيها.
رئيس الحكومة نواف سلام قال أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في ٢٥ أيلول إن المطلوب هو تحويل التفاهمات إلى خطوات عملية ضمن جدول زمني واضح وآلية تحقق، مع التشديد على انسحاب إسرائيل وعلى حصر السلاح بيد الدولة وعودة قرار الحرب والسلم إلى المؤسسات الدستورية.
أما الرئيس جوزاف عون فيواصل الدفع باتجاه تعزيز انتشار الجيش في الجنوب، بالتوازي مع اعتراض لبنان على العمليات الإسرائيلية، والتأكيد على دور المؤسسة العسكرية في استعادة سلطة الدولة.
وهنا تبرز نقطة أساسية:
السيادة بالنسبة إلى بيروت ليست ملفاً أمنياً واحداً.
إنها تشمل الجيش، الحدود، القرار السياسي، الأراضي التي يعتبرها لبنان محتلة، ووقف الاعتداءات، وفي الوقت نفسه حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بالمؤسسات الرسمية.
الجيش اللبناني أمام الاختبار الأكبر
لم يعد دور الجيش اللبناني مجرد عنصر مساعد في المعادلة.
فالمطلوب منه أن يتحول، تدريجياً، إلى الطرف الأمني الأساسي في الجنوب.
وقد كثّف الجيش في الفترة الأخيرة انتشاره وإنشاء مراكز مراقبة وتعزيز الإجراءات الأمنية، فيما تستمر العمليات الأمنية ومصادرة الأسلحة في مناطق مختلفة من البلاد.
لكن التحدي أكبر من الانتشار العسكري.
الجيش يحتاج إلى مساحة سياسية وأمنية تسمح له بممارسة سلطة الدولة فعلياً.
وهذا يعني أن نجاح أي اتفاق لن يقاس فقط بعدد الجنود المنتشرين، بل بقدرتهم على فرض قواعد أمنية موحدة من دون أن تتحول المناطق الحدودية إلى ساحة جديدة لتنافس القوى المسلحة.
حزب الله… الباب المغلق
هنا تصل المفاوضات إلى أصعب نقطة.
واشنطن وإسرائيل تربطان الترتيب الأمني الطويل الأمد بمعالجة القدرة العسكرية لحزب الله.
أما الحزب، فيرفض التخلي عن سلاحه، ولا سيما في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي والضربات الإسرائيلية.
عيسى كرر في ٢٥ أيلول أن تسليم حزب الله سلاحه يمكن أن يفتح الباب أمام السلام، وأن انسحاب إسرائيل سيأتي في إطار هذه المعادلة، معتبراً أن استمرار الاحتفاظ بالسلاح يضيّق مساحة الفرص الدبلوماسية.
لكن الترتيب الزمني يبقى موضع خلاف.
إسرائيل تقول إن أمنها يتطلب إزالة التهديد العسكري لحزب الله.
لبنان يقول إن سيادته تتطلب الانسحاب الإسرائيلي.
وحزب الله يتمسك بموقفه من السلاح والمقاومة.
لذلك فإن العقدة ليست فقط في التوصل إلى اتفاق.
العقدة الحقيقية هي: من يبدأ؟ ومن يضمن الخطوة التالية؟
واشنطن: التفاوض مع الدولة… لا خارجها
في موازاة ذلك، تواصل واشنطن الدفع باتجاه جعل الدولة اللبنانية الطرف الذي يتولى التفاوض باسم لبنان.
وكان عيسى قد أكد في وقت سابق أن الولايات المتحدة مستعدة للتفاوض بشأن الملفات المتعلقة بحزب الله، لكن من خلال الدولة اللبنانية، باعتبارها الجهة التي تفاوض باسم لبنان ومصالحه الوطنية.
وهذا التحول يحمل دلالة سياسية واضحة:
القرار اللبناني المطلوب دولياً هو قرار الدولة، لا قرار أي طرف منفرد.
ومن هنا يصبح تعزيز المؤسسات اللبنانية جزءاً من المسار التفاوضي نفسه، وليس مجرد نتيجة يفترض أن تأتي بعد الاتفاق.
ندى معوض: السيادة مسؤولية قبل أن تكون شعاراً
في واشنطن، حملت السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمده معوض رسالة سياسية مكملة: لبنان لا يستطيع الاستمرار في ترك مستقبله رهينة لصراعات القوى الخارجية.
المطلوب، في هذا التصور، ليس فقط إعلان السيادة، بل تحمل المسؤولية التي تأتي معها.
فالدولة السيادية تحتاج إلى مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار، وجيش قادر على حماية الحدود، وحكومة قادرة على التفاوض، ونظام سياسي قادر على تحويل الاتفاقات إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
وهذا يضع لبنان أمام اختبار داخلي بقدر ما هو اختبار دبلوماسي.
والساعة الأخرى: اليونيفيل
هناك موعد آخر يقترب بسرعة.
قرر مجلس الأمن أن تنتهي ولاية اليونيفيل في ٣۱ كانون الأول ٢٠٢٦، على أن تبدأ بعد ذلك عملية انسحاب تدريجية ومنظمة خلال عام ٢٠٢٧، بهدف الوصول في نهاية المسار إلى تولي الحكومة اللبنانية مسؤولية الأمن في الجنوب.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة المحدثة في ٢٤ أيلول، تضم اليونيفيل حالياً ٧٥٦٥ جندي حفظ سلام من ٤٦ دولة.
وهذا يجعل الأشهر المقبلة أكثر حساسية.
فالانسحاب ليس مجرد تغيير في عدد القوات الدولية.
إنه اختبار لقدرة الجيش اللبناني على ملء الفراغ الأمني تدريجياً، ولقدرة الأطراف على منع الجنوب من العودة إلى دائرة التصعيد.
وحذّر رئيس اليونيفيل الجنرال ديوداتو أبانيارا من أهمية انتقال سلس قبل بدء الانسحاب، فيما تستمر المخاوف من وجود فراغ أمني في بعض المناطق.
ما بعد اليونيفيل… السؤال الذي بدأ مبكراً
المعضلة دفعت فرنسا ودولاً عربية وأوروبية إلى بحث ترتيبات محتملة للمرحلة التي تلي اليونيفيل، بما في ذلك خيارات لدعم الجيش اللبناني والتدريب والتجهيز والمساعدة الاستخبارية.
لكن أي صيغة جديدة ستحتاج إلى توافق سياسي وأمني واسع.
فإذا توسعت سلطة الجيش وانسحبت القوات الإسرائيلية ضمن ترتيبات قابلة للتحقق، يمكن أن تدخل الدولة اللبنانية مرحلة مختلفة في الجنوب.
أما إذا بقي السلاح خارج الدولة، والوجود الإسرائيلي قائماً، والضمانات الدولية غير مكتملة، فإن الانتقال قد يصبح مصدراً جديداً للتوتر بدلاً من أن يكون نهاية له.
لبنان بين حرب لم تنتهِ وخريطة سياسية لم تولد بعد
لهذا تبدو عبارة “لحظة لبنان حانت” أكبر من مجرد دعوة إلى وقف إطلاق النار.
المسألة تتعلق بمن يمتلك القرار الأمني في لبنان.
بالنسبة إلى واشنطن، المطلوب دولة لبنانية قادرة على ممارسة سيادتها ومنع أي طرف غير حكومي من اتخاذ قرار الحرب والسلم منفرداً.
وبالنسبة إلى بيروت، لا تكتمل السيادة من دون انسحاب إسرائيلي واستعادة سلطة الدولة على أراضيها.
وبالنسبة إلى إسرائيل، يبقى الأمن مرتبطاً بإزالة التهديد العسكري لحزب الله.
أما حزب الله، فيتمسك بموقفه من السلاح في ظل استمرار المواجهة والوجود الإسرائيلي.
وهكذا تتقاطع أربع خرائط في نقطة واحدة:
سيادة لبنان، أمن إسرائيل، سلاح حزب الله، ومستقبل الوجود الدولي في الجنوب.
الاختبار الحقيقي بدأ الآن
قد تتأجل محادثات روما.
لكن الجنوب لا ينتظر.
فالعد التنازلي مستمر نحو نهاية ولاية اليونيفيل، والمفاوضات عالقة، والجيش اللبناني أمام مهمة أكبر، وإسرائيل لا تزال حاضرة عسكرياً في أجزاء من الجنوب، فيما لم تُحسم بعد مسألة سلاح حزب الله.
لذلك فإن “لحظة لبنان” لا تعني أن الأزمة انتهت.
بل تعني أن نافذة سياسية نادرة قد فُتحت أمام الدولة اللبنانية لتثبت أن السيادة يمكن أن تتحول من خطاب إلى ممارسة.
والاختبار الأصعب لن يكون في واشنطن ولا في روما.
سيكون في الجنوب.
هناك، على الأرض، سيتحدد ما إذا كان لبنان قادراً على استعادة قرار الحرب والسلم، وبناء سلطة أمنية واحدة، وفرض معادلة جديدة بين الدولة والسلاح والحدود.









