كارثة حرائق كندا تخنق أكبر مدن أمريكا الشمالية… والدخان يحوّل النهار إلى مشهد أشبه بنهاية العالم
تورونتو – كندا
اختفى الأفق.
تلاشى اللون الأزرق المعتاد لسماء الصيف، ليحل محله وهج برتقالي كثيف جعل المدينة تبدو وكأنها تعيش تحت سماء غريبة لا تشبه الواقع.
أما الشمس، فلم تعد سوى قرص أحمر باهت يتسلل بصعوبة عبر طبقات الدخان الكثيفة، في مشهد أثار الذعر بين ملايين السكان.
استيقظت تورونتو، أكبر مدن كندا، على واحدة من أخطر موجات دخان حرائق الغابات التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، بعدما غطت سحابة هائلة من الدخان المدينة وأجزاء واسعة من جنوب مقاطعة أونتاريو، متسببة في انخفاض حاد في مدى الرؤية، وإطلاق تحذيرات صحية واسعة النطاق، وإلغاء عدد من الفعاليات العامة، فيما تصدرت المدينة لفترة وجيزة قائمة أسوأ جودة هواء بين كبرى مدن العالم.
مدينة تختنق تحت غطاء من الدخان
في البداية، ظن كثيرون أن ما يلف المدينة مجرد ضباب كثيف.
لكن الحقيقة كانت أكثر خطورة.
فالدخان القادم من مئات الكيلومترات شمال غربي أونتاريو، حيث تواصل حرائق الغابات الضخمة التهام ملايين الأشجار، اندفع مع الرياح ليستقر فوق تورونتو والمناطق المحيطة بها، محولاً السماء إلى اللون البرتقالي، ومحملاً الهواء بكميات هائلة من الجسيمات الدقيقة القادرة على الوصول إلى أعماق الرئتين.
وأصدرت هيئة البيئة الكندية (Environment Canada) تحذيرات من ارتفاع خطير في مستويات تلوث الهواء، بينما قفز مؤشر جودة الهواء الصحي إلى مستوى ١٠+، وهو أعلى مستوى تحذيري تعتمده الحكومة الكندية.
وأبلغ السكان عن أعراض متزايدة شملت:
- حرقة شديدة في العينين.
- سعالاً متواصلاً.
- صعوبة في التنفس.
- رائحة دخان خانقة في مختلف أنحاء المدينة.
- تراجعاً كبيراً في مدى الرؤية فوق بحيرة أونتاريو.
حتى أفق تورونتو الشهير كاد يختفي بالكامل خلف ستار كثيف من الدخان.
تورونتو تتصدر العالم… ولكن في التلوث
ولعدة ساعات، صنفت منصة IQAir العالمية لمراقبة جودة الهواء مدينة تورونتو باعتبارها أكثر المدن الكبرى تلوثاً في العالم، متقدمة حتى على مدن تعاني تقليدياً من الضباب الدخاني الكثيف مثل نيودلهي وكينشاسا.
ودعت السلطات الصحية السكان إلى اتخاذ إجراءات وقائية عاجلة، أبرزها:
- البقاء داخل المنازل قدر الإمكان.
- إغلاق النوافذ والأبواب بإحكام.
- تشغيل أجهزة تنقية الهواء.
- تجنب ممارسة الأنشطة الرياضية في الهواء الطلق.
- ارتداء كمامات N95 عند الاضطرار للبقاء خارج المنزل لفترات طويلة.
وحذرت السلطات من أن التعرض للدخان لا يقتصر خطره على المرضى أو كبار السن، بل قد يسبب تهيجاً في الجهاز التنفسي حتى لدى الأشخاص الأصحاء، بينما تزداد المخاطر بالنسبة للأطفال، والحوامل، وكبار السن، ومرضى الربو وأمراض القلب.
مئات الحرائق لا تزال خارج السيطرة
الدخان الذي يغطي المدن ليس سوى الوجه المرئي لكارثة أكبر تضرب كندا بأكملها.
وبحسب السلطات الكندية المختصة بحرائق الغابات:
- أكثر من ٨٣٠ حريقاً لا تزال مشتعلة في مختلف أنحاء البلاد.
- ما يزيد على ١١٠ حرائق ما تزال خارج السيطرة بالكامل.
- النيران التهمت حتى الآن نحو ١٫٩ مليون هكتار منذ بداية موسم الحرائق لعام ٢٠٢٦.
وتتركز أخطر الحرائق في شمال غربي أونتاريو، حيث صدرت أوامر بإخلاء عدد من المجتمعات النائية مع استمرار تمدد ألسنة اللهب داخل الغابات.
كما اضطرت عدة مجتمعات من السكان الأصليين (الأمم الأولى) إلى إخلاء مناطقها، بينما يواصل آلاف رجال الإطفاء معركتهم ضد حرائق تتغذى على الرياح والجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة.
الدخان يعبر الحدود الدولية
لم تعد الأزمة كندية فقط.
فالرياح القوية في طبقات الجو العليا دفعت سحب الدخان جنوباً لتغطي أجزاء واسعة من الولايات المتحدة، حيث صدرت تحذيرات من تلوث الهواء في ولايات عدة، من بينها:
- نيويورك
- ميشيغان
- مينيسوتا
- ويسكونسن
- ماساتشوستس
- فيرمونت
- نيوهامبشير
كما أصدرت مدينة نيويورك تحذيرات خاصة بجودة الهواء، بعدما امتزج دخان الحرائق بموجة حر صيفية شديدة، في حين دعت السلطات الأمريكية السكان إلى الحد من الأنشطة الخارجية حتى تحسن الظروف الجوية.
ويتوقع خبراء الأرصاد أن تستمر الرياح في نقل الدخان إلى شرق الولايات المتحدة خلال الأيام المقبلة.
لماذا تحولت السماء إلى اللون البرتقالي؟
يفسر العلماء هذا المشهد غير المألوف بظاهرة تعرف باسم تشتت الضوء.
فدخان حرائق الغابات يحتوي على تركيزات مرتفعة للغاية من الجسيمات الدقيقة، وخاصة PM ٢٫٥، وهي جسيمات يقل قطرها عن ٢٫٥ ميكرون.
وتعمل هذه الجسيمات على تشتيت الأطوال الموجية القصيرة للضوء، بينما تسمح بمرور الأطوال الموجية الحمراء والبرتقالية، وهو ما يمنح السماء لونها البرتقالي الغريب.
وكانت النتيجة:
- سماء برتقالية قاتمة.
- غروب أحمر قانٍ.
- شمس حمراء حتى في منتصف النهار.
- انخفاض حاد في مدى الرؤية.
- ضباب دخاني كثيف يغطي الأفق.
ويؤكد العلماء أن هذا المشهد، رغم جماله البصري بالنسبة للبعض، يعد مؤشراً خطيراً على مستويات مرتفعة من التلوث الهوائي، وليس مجرد ظاهرة جوية استثنائية.
الحرائق تعطل الحياة اليومية
بدأ تأثير الدخان يطال مختلف مظاهر الحياة في أونتاريو.
فقد ألغى منظمو العديد من الأنشطة والفعاليات الخارجية أو عدلوها، بما في ذلك فعاليات مرتبطة بمهرجان مشجعي بطولة كأس العالم لكرة القدم في تورونتو، فيما راقبت المدارس والجامعات والهيئات الرياضية وأصحاب العمل تطورات جودة الهواء ساعة بساعة.
وحذرت وكالات الصحة العامة من أن التعرض الطويل للدخان، حتى لدى الأشخاص الأصحاء، قد يزيد من الضغط على الجهاز التنفسي ويؤدي إلى تفاقم الأمراض المزمنة.
تغير المناخ يزيد من شراسة موسم الحرائق
ورغم أن حرائق الغابات تشكل جزءاً طبيعياً من النظام البيئي للغابات الشمالية في كندا، فإن العلماء يؤكدون أن تغير المناخ بات يجعل هذه الحرائق أكثر اتساعاً وخطورة.
فارتفاع درجات الحرارة، واستمرار موجات الجفاف، وتغير أنماط هطول الأمطار، كلها عوامل توفر بيئة مثالية لاشتعال الحرائق بسرعة وانتشارها على نطاق أوسع واستمرارها لفترات أطول.
ويرى الباحثون أن موجات الدخان الكثيفة التي باتت تصل إلى المدن الكبرى أصبحت أكثر تكراراً خلال السنوات الأخيرة، بعدما كانت تعد أحداثاً نادرة في جنوب أونتاريو.
إلى أين تتجه الأزمة؟
يتوقع خبراء الأرصاد الجوية استمرار تدهور جودة الهواء إلى أن تتغير الأنظمة الجوية بما يكفي لتبديد سحب الدخان.
وسيتوقف ذلك بصورة رئيسية على عاملين حاسمين:
- نجاح فرق الإطفاء في احتواء أكبر الحرائق المشتعلة في شمال غربي أونتاريو.
- تغير اتجاه الرياح بما يبعد الدخان عن المناطق الأكثر كثافة سكانية.
وحتى يتحقق ذلك، سيبقى ملايين السكان في كندا والولايات المتحدة تحت وطأة التحذيرات الصحية، يراقبون السماء بقلق، مترقبين أول نسمة هواء نقي تعلن نهاية واحدة من أخطر موجات دخان حرائق الغابات التي شهدتها أمريكا الشمالية في السنوات الأخيرة.









